حيدر حب الله
31
مسألة المنهج في الفكر الديني
البقية ، وهذه المفاضلة يركّزها المنطق المدرسي على أساس معادلتين تمثلان تصوّره الخاص لليقين ؛ إحداهما المعادلة الإيجابية القائلة بأنه حيث كانت المقدّمات صحيحة - كماً وكيفاً ، مادةً وصورةً - باليقين فما توصّلت إليه صحيح بالضرورة ، وثانيتهما المعادلة السلبية المقابلة والتي تقول بأن كل ما هو خلاف رأيي فهو باطل وخطأ بالضرورة ، ويستحيل كونه صائباً ؛ لأن ذلك يستلزم المحال ، حيث كان رأيي صحيحاً بالضرورة ، وهاتان المعادلتان تفرضان على الباحث مواصلة العمل حتى يحوز عليهما معاً ، أي اليقين البرهاني الحاسم بصحّة قوله ويقينٌ مشابه ببطلان الآخر . هذا هو الذي سمّيناه الطبقية الفكرية - دون أن نوظف هذا المصطلح في مدلولاته القبيحة - أي هي الشعور بأن هناك طبقتين في عالم الفكر ، طبقة المحقين وطبقة المبطلين أو الخاطئين ، وكل الشرعية - معرفياً - إنما هي للطبقة الأولى ، ولا شرعية إطلاقاً للطبقة الثانية . هذه البنية الفلسفية المعرفية هي بنية متصادمة - في نقطةٍ ما وإلى حد معين - ومقولات الحوار والتفاوض ؛ لأن المفكّر الذي ينطلق من هذه القاعدة المعرفية يجد نفسه متورّطاً في شيءٍ من الازدواجية بين بنيته المعرفية وبين المقولة القاضية بأن « رأيي صحيح يحتمل خطؤه ورأي غيري خطأ يحتمل صحته » ؛ لأن هذه المقولة التي تمثّل - كما يقولون - أساس أي تفاهم حواري ، لن يتمكن المحاور الذي يتخذ من تلك البنية المنطقية المعرفية قاعدةً له أن يستمر معها طويلًا ؛ لأنه عندما يصل إلى ذروة الجدل والمحاورة سوف تبرز أمامه تلك البنية المعرفية إلى السطح نتيجة ضغط اللا شعور ، وبالتالي سوف يعيد إظهار كلمات الدوغمة من أمثال : قطعاً ، يقيناً ، جزماً ، بداهةً ، لا خلاف فيه . . إلى غيرها من سلسلة المفردات المعيقة لديمومة العملية التحاورية . هذه هي الصدمة التي تكلّمنا عنها آنفاً ، وهي أنه عندما يصل الحوار إلى ذروته تبرز البنيات المعرفية - كما البنى الأخلاقية - إلى السطح بقوّة ، وتصدم هذا الحوار بشدّة ؛ لتعيده حيث بدأ وتفقده من ثمّ الإنتاجية والتوليد .